ابن عجيبة
111
تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )
قلت : قوله : ولا يكون قلب . . . إلخ ، حاصل كلامه : أن القلب من حيث هو لا بد أن يطرقه الخصم إن حاد عن الحق ، وهو المراد بهواتف الغيب ، لكنه أخفى من دبيب النمل في حق الغافلين . فإن كان القلب حيا متيقظا تتبع ذلك الخصم ؛ حتى يزيله بظهور الحق ، وإن كان ميتا بغلبة الشهوات أخفاه حتى يموت ، فيبدو له ما كان يخفيه من قبل . واللّه تعالى أعلم . ثم ذكر اعتقادهم الفاسد ، وما أداهم إليه ، فقال : [ سورة الأنعام ( 6 ) : الآيات 29 إلى 32 ] وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلاَّ حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ( 29 ) وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ قالُوا بَلى وَرَبِّنا قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 30 ) قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ ( 31 ) وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ ( 32 ) يقول الحق جل جلاله : وَقالُوا أي : الكفار في إنكار البعث : إِنْ هِيَ أي : الحياة إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا لا حياة بعدها ، وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ ، قال جل جلاله : وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ ، كناية عن حبسهم للسؤال والتوبيخ ، أو : وقفوا على قضاء ربهم بين عباده ، وعرفوه حق التعريف ، قال لهم الحق جل جلاله : أَ لَيْسَ هذا الذي كنتم تنكرونه ، بِالْحَقِّ . قالُوا بَلى وَرَبِّنا إنه لحق ، ولكنا كنا قوما ضالين ، وهو إقرار مؤكد باليمين ، لانجلاء الأمر غاية الجلاء ، قال تعالى لهم : فَذُوقُوا أي : باشروا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي : بسبب كفركم . قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ ، حيث فاتهم النعيم ، واستوجبوا العذاب المقيم ، والمراد بلقاء اللّه : البعث وما يتبعه . فاستمروا على التكذيب حَتَّى إِذا جاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أي : فجأة قالُوا يا حَسْرَتَنا أي : يا هلكتنا عَلى ما فَرَّطْنا أي : قصّرنا فِيها أي : في الحياة الدنيا ، أو في الساعة ، أي : في شأنها والاستعداد لها ، وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزارَهُمْ عَلى ظُهُورِهِمْ ، كناية عن تحمل الذنوب ، لأن العادة حمل الأثقال على الظهور ، وقيل : إنهم يحملونها حقيقة ، وقد روى : أن الكافر يركبه عمله ، بعد أن يتمثل له في أقبح صورة ، وأن المؤمن يركب عمله ، بعد أن يتصور له في أحسن صورة . قال تعالى في شأن الكفار : أَلا ساءَ ما يَزِرُونَ أي : بئس شيئا يزرونه ويرتكبونه في الدنيا وزرهم هذا ، الذي يتحملونه على ظهورهم يوم القيامة .